نسمات الفجر
الصورة الرمزية نسمات الفجر

الهيئـة الإداريـة


رقم العضوية : 19
الإنتساب : Feb 2010
الدولة : السعودية
المشاركات : 3,018
بمعدل : 0.85 يوميا

نسمات الفجر غير متواجد حالياً عرض البوم صور نسمات الفجر


  مشاركة رقم : 1  
المنتدى : أصول الفقه
افتراضي ما معنى فِقه الموازنات ؟
قديم بتاريخ : 17-02-2010 الساعة : 08:53 PM


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
يا شيخ بارك الله فيك ونفعنا الله بعلمك وعملك
أريد السؤال عن فقه الموازنات ما هو ؟ وهل هو فِقه باطِل أم أنه قائم وصحيح ؟
وحفظك الله

الجواب :

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
وحَفِظَك الله وَرَعَاك .

يُقصد به الموازنة بين حسنات الرجل وسيئاته .
والناس في هذه المسألة طَرَفان ووسط ؛ فَطَرَف لا يقبل ذلك المنهج ، ويَرُدّه جُملة وتفصيلا .
وطَرَف يأخذ به ويُعمِله في كل شيء !
والوسط أن لا يُعمل في كل شيء ، ولا يُرَدّ بِكلّ حال .

ولِفِقه الْمُوَازَنة أصْل في كلام السّلَف ، وفي كلام علمائنا .
روى مسلم عن المستورد القرشي عند عمرو بن العاص سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول تقوم الساعة والروم أكثر الناس فقال له عمرو أبصر ما تقول قال أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالا أربعا : إنهم لأحْلم الناس عند فتنة ، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة ، وأوشكهم كَـرّة بعد فـرّة ، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف ، وخامسة حسنة جميلة ، وأمنعهم من ظلم الملوك .

قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان في قريش أربعـة يَتَحَاكَـم الناس إليهم في المنَافَرات : عَقيل ، ومَخرمـة ، وحُويطب ، وأبو جَهم ؛ وكان عقيل يَـعُـدّ المسـاوي ، فمن كانت محاسنه أكثر يُقِـرّه على صاحبه .

وقال الشعبي : كانت العرب تقول : إذا كانت مَحاسِن الرّجُل تَغلب مَساويه فذلكم الرجل الكامل ، وإذا كانا متقاربين فذلكم المُتَمَاسِك ، وإذا كانت المساوئ أكثر من المحاسن فذلكم المُتَهَتّك .

وقال سعيد بن المسيب : ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب ، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تُذكر عيوبه . من كان فضله أكثر من نقصه وُهِب نقصه لفضله .

وقال الإمام الشافعي : لا نعلم أحدا أُعطي طاعة الله حتى لم يخلطها بمعصية إلا يحيى بن زكريا ، ولا عصى الله فلم يَخلط بطاعة ، فإذا كان الأغلب الطاعة فهو المعدّل ، وإذا كان الأغلب المعصية فهو المجرّح . اهـ .
هذا كلام جميل من إمام جليل ، فعضّ عليه بالنواجذ .

وقال الإمام وكيع : أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم ، وأهل الأهواء لا يكتبون إلاَّ ما لهم . رواه الدارقطني ، ونقله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن عبد الرحمن بن مهدي .

قال أبو حاتم الرازي : ذَكَرتُ لأحمد بن حنبل مَن شَرِب النبيذ مِن مُحَدِّثي الكوفة ، وسَمَّيْتُ له عَدَدًا منهم ، فقال : هذه زَلاّت لهم ، ولا تَسْقُط بزلاتهم عدالتهم .

وكان الإمام أحمد رحمه الله يَعلم أشياء من البِدع عن بعض شيوخه ، ولم يَحمله ذلك على الطعن فيهم ، بل لم يتكلّم فيه إلا مُجرّد إشارة خفية حينما سُئل عن بعضهم .
ومنهم :
الإمام وكيع بن الجراح الرؤاسي ، وهو إمام من أئمة المسلمين ، وهو شيخ الإمام أحمد .
قال فيه الإمام أحمد : ما رأيت أحدا أوعى للعلم ولا أحفظ من وكيع .
قال الذهبي : كان أحمد يُعظم وكيعا ويُفخّمه .
وقال ابن عمار : ما كان بالكوفة في زمان وكيع أفقه ولا أعلم بالحديث من وكيع ، وكان جهبذا .
وهو إمام جبل من جبال العِلم .
قال صالح بن أحمد : قلت لأبي : أيما أثبت عندك وكيع أو يزيد ؟ فقال : ما منهما بحمد الله إلا ثَبْت ، وما رأيت أوعى للعلم من وكيع ، ولا أشبه من أهل النسك منه ، ولم يختلط بالسلطان .

وقد كان وكيع يشرب النبيذ
ولما سُئل عن النبيذ : هو عندي أحل من ماء الفرات !

وهل كان الإمام أحمد يعلم هذا عن وكيع ؟
الجواب : نعم .
وكان في وكيع تشيّع .
ولذلك لما قيل للإمام أحمد رحمه الله : إذا اختلف وكيع وعبد الرحمن بقول مَنْ نأخذ ؟ فقال : نوافق عبد الرحمن أكثر ، وخاصة في سفيان كان مَعْنِيّا بِحَدِيثه ، وعبد الرحمن يَسلَم منه السّلَف ، ويجتنب شُرب المُسكِر ، وكان لا يَرى أن يُزرَع في أرض الفُرات .

والمقصود بالمُسكِر : النّبيذ .

وقال الذهبي في سيرة وكيع : مرّ قول أحمد إن عبد الرحمن يَسْلَم منه السّلَف ، والظاهر أن وَكِيعًا فيه تشيّع يسير لا يضرّ - إن شاء الله - فإنه كوفي في الجملة ! وقد صنّف كتاب فضائل الصحابة سمعناه قَدَّم فيه باب مناقب عليّ على مناقب عثمان رضي الله عنهما . اهـ .

ولما ذُكِر خلف البزّار عند الإمام أحمد ، فقيل : يا أبا عبد الله إنه يشرب [ يعني النبيذ ] فقال : قد انتهى إلينا علم هذا عنه ، ولكن هو والله عندنا الثقة الأمين شَرِب أو لم يَشرب .

ومِن من شيوخ الإمام أحمد - كذلك - عبد الرزاق بن همام الصنعاني ، ورحل إليه الإمام أحمد في اليمن ، وأخذ عنه ورَوى عنه أحاديث ، وعبد الرزاق فيه تشيّع أيضا .

وفي تاريخ بغداد وتاريخ دمشق عن أبي زكريا غلام أحمد بن أبي خيثمة قال : كنت جالِسًا في مجلس الجامع بالرّصَافة مما يلي سُويقة نَصر عند بيت الزيت ، وكان أبو خيثمة يصلي صلاته هناك ، وكان يركع بين الظهر والعصر وأبو زكريا يحيى بن معين قد صلى الظهر وطرح نفسه بإزائه ، فجاءه رسول أحمد بن حنبل فأوجز صلاته وجلس فقال له : أخوك أبو عبد الله أحمد بن حنبل يقرأ عليك السلام ويقول لك هو ذا تكثر الحديث عن عبيد الله العبسي ، وأنا وأنت سمعناه يتناول معاوية بن أبي سفيان ، وقد تركت الحديث عنه . قال : فرفع يحيى بن معين رأسه وقال للرسول : اقرأ على أبي عبد الله السلام ، وقل له: يحيى بن معين يقرأ عليك السلام وقال لك : أنا وأنت سَمعنا عبد الرزاق يتناول عثمان بن عفان ، فاترك الحديث عنه ، فإن عثمان أفضل من معاوية !

ولما بلغ يحيى بن معين أن أحمد بن حنبل يتكلم في عبيد الله بن موسى بسبب التشيع ، قال يحيى : والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة ، لقد سمعت من عبد الرزاق في هذا المعنى أكثر مما يقول عبيد الله بن موسى !

والإمام قتادة بن دعامة السدوسي قال عنه الإمام الذهبي : حافظ العصر قدوة المفسِّرين والمحدِّثين
قال ابن شوذب : ما كان قتادة يرضى حتى يصيح به صياحا - يعني القَدَر - قال ابن أبي عروبة والدستوائي قال قتادة : كل شيء بِقَدَر إلاَّ المعاصي .

ولا يُفهم من هذه النقول الإزراء بأئمة الإسلام ، بل هم أئمة لهم حسناتهم وعظيم أثرهم في الأمة ، ولولا أن أئمة الإسلام رضوا هذا وأوردوه في كتبهم لما أوردته ولا أشرت إليه .
ولكني أردت بيان حال السلف مع أهل البدع التي لم تُخرجهم من الإسلام
فالتّشيّع في أوله كان مصحوبا بالوقوع في السلف ، وفرق بين التشيّع وبين الرفض والغلو فيه .
ونقول في حق هؤلاء الأئمة كما قال إمام أهل السنة :
" هذه زلاّت لهم ولا تسقط بزلاتهم عدالتهم "

ومِن أكثر الناس إنصافا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فإنه قال في شأن ابن حَزم رحمه الله:
وكذلك أبو محمد بن حـزم فيما صنفـه من الملل والنِّحل إنما يُستحمد بموافقـة السنة والحديث ، مثل ما ذكره في مسائل القدر والإرجاء ونحو ذلك ، بخلاف ما انفرد به من قوله في التفضيل بين الصحابة ، وكذلك ما ذكره في باب الصفات فإنه يُستحمد فيه بموافقـة أهل السنة والحديث لكونه يثبت الأحاديث الصحيحة ، ويعظم السلف وأئمـة الحديث ، ويقول إنه موافق للإمام أحـمد في مسألة القرآن وغيرها ، ولا ريب أنه موافق له ولهم في بعض ذلك ، وإن كان أبو محمد بن حـزم في مسائل الإيمان والقدر أقوم من غيره وأعلم بالحديث ، وأكثر تعظيما لـه ولأهله من غيره لكن قد خالـط من أقوال الفلاسفـة والمعتزلة في مسائل الصفات ما صَرَفَهُ عن موافقة أهل الحديث في معاني مذهبهم في ذلك فوافق هؤلاء في اللفظ وهؤلاء في المعنى ، وبمثل هذا صار يذمه من يذمّه من الفقهاء والمتكلمين وعلماء الحديث باتِّباعه لظاهر لا باطن له ، كما نفى المعاني في الأمر والنهي والاشتقاق ، وكما نفى خـرق العادات ونحوه من عبادات القلوب ، مضموما إلى ما في كلامه من الوقيعة في الأكابر ، والإسراف في نفي المعاني ، ودعوى متابعة الظواهـر ، وإن كان لـه من الإيمان والدين والعلوم الواسعة الكثيرة ما لا يدفعه إلا مكابر ، ويوجد في كتبه من كثرة الاطلاع على الأقوال والمعرفة بالأحوال والتعظيم لدعائم الإسلام ولجانب الرسالة ما لا يجتمع مثله لغيره ، فالمسألـة التي يكون فيها حديث يكون جانبه فيها ظاهـر الترجيح ، وله من التمييز بين الصحيح والضعيف والمعرفة بأقوال السلف ما لا يكاد يقع مثله لغيره من الفقهاء . اهـ

ومِن هذا الباب : ثناء شيخ الإسلام ابن تيمية على صلاح الدّين الأيوبي ، ومعلوم أن صلاح الدّين كان على عقيدة الأشاعرة !
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ولْيَعْتَبِر الْمُعْتَبِر بِسِيرة نُور الدّين وصلاح الدين ثم العادل ؛ كيف مَكّنَهم الله وأيّدَهم وفَتَح لهم البلاد وأذلّ لهم الأعداء ؛ لَمّا قَامُوا مِن ذلك بما قامُوا به .
ولْيَعْتَبِر بِسِيرة مَن وَالَى النّصَارى ، كيف أذَلّه الله تعالى وكَبَتَه .


وقال أيضا : فإن بَنِي عُبَيد مَلاحِدة مُنَافِقون ليس لهم غَرَض في الإيمان بالله ورسوله ، ولا في الجهاد في سبيل الله ، بل في الكُفْر والشّرك ، ومُعَاداة الإسلام بحسب الإمكان ، وأتْبَاعهم كُلّهم أهل بِدَع وضَلال ، فاسْتَوْلَت النصارى في دَولتهم على أكثر الشام ، ثم قَيّض الله مِن مُلُوك السّنّة مثل : نُور الدّين وصلاح الدّين وإخوته وأتْبَاعهم فَفَتَحُوا بلاد الإسلام ، وجاهَدوا الكُفار والمنافِقين .


وقال : لَمّا قَدِم أبو عمرو عثمان بن مَرزوق إلى ديار مِصر ، وكان مُلوكها في ذلك الزمان مُظهِرين للتشيّع ، وكانوا بَاطِنية مَلاحِدة ، وكان بسبب ذلك قد كَثُرت البِدَع وظهرت بالديار المصرية - أمَرَ أصحابه أن لا يُصَلّوا إلاّ خَلْف مَن يَعرِفونه لأجْل ذلك ، ثم بعد مَوته فَتَحَها مُلُوك السّنّة مثل : صلاح الدّين ، وظَهَرت فيها كَلَمة السّنّة الْمُخَالِفة للرّافِضة ، ثم صار العِلْم والسّنّة يَكثُر بها ويَظْهَر ...
وكان عبد الله بن عمر وغيره مِن الصحابة يُصَلّون خَلْف الحجّاج بن يوسف .
وكان الصحابة والتابِعُون يُصَلّون خَلْف ابن أبي عبيد ، وكان مُتّهَمًا بِالإلحاد وَدَاعِيًا إلى الضلال .
(مجموع الفتاوى)

وقال تلميذه ابن القيم عن العُبَيدِيين : ولم يَزل أمْرهم ظَاهِرا إلى أن أنْقَذ الله الأُمة منهم ونَصر الإسلام بِصَلاح الدّين يُوسف ابن أيوب ، فاسْتَنْقَذ الْمِلّة الإسلامية منهم وأبادهم ، وعادَت مِصْر دار إسلام بعد أن كانت دَار نِفَاق وإلْحَاد في زَمَنِهم .
(الْمَنار الْمُنِيف)

قال ابن القيم رحمه الله : ومَنْ له علم بالشرع والواقع يعلم قطعا أن الرجل الجليل الـذي لـه في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة ، وهو مِنْ الإسلام وأهله بمكان قد تكون منه الهفـوة والزلّة ، هو فيها معذور بل ومأجور لاجتهاده ، فلا يجـوز أن يُتبع فيهـا ، ولا يـجوز أن تُـهدر مكانتـه وإمـامته ومنـزلته من قلوب المسلمين . اهـ .

وقال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى :
الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه وعُلِم تحريه للحق واتّسع علمه وظهر ذكاؤه وعُرف صلاحه ووَرَعه واتّباعه يُغفر له زللـه ولا نُضللـه ونطرحه وننسى محاسنه . نعم ، ولا نقتدي به في بِدعته وخَطئه ، ونرجو له التوبة من ذلك . اهـ .

ولَمّا ترجم لإمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة قال :
ولابن خزيمة عظمة في النفوس وجلالة في القلوب ؛ لعلمه ودينه واتباعه السنة ، وكتابه في التوحيد مجلد كبير ، وقد تأول في ذلك حديث الصورة .
ثم قال رحمه الله : فليُعذَر مَن تأوّل بعض الصفات ، وأما السّلَف فما خاضُوا في التأويل بل آمنوا وكفُّوا وفوّضوا عِلْم ذلك إلى الله ورسوله ، ولو أن كل مَن أخطأ في اجتهاده مع صحة إيمانه وتوخِّيه لاتِّباع الحق أهدرناه وبدّعناه لَقلّ من يَسلم من الأئمة معنا . رحم الله الجميع بمنه وكرمه . اهـ .

وقال الإمام الذهبي رحمه الله: وقال في ترجمة محمد بن نصر المروزي - : ولو أنا كلما أخطـأ إمـام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفـوراً لـه ، قُمنا عليه وبدَّعْنَاه وهجرناه ، لما سَلِمَ معنا لا ابن نصر ولا ابن مندة ، ولا من هو أكبر منهما ، والله هو هادي الخلق إلى الحق ، وهو أرحم الراحمين ، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة . اهـ .

ومن علمائنا المعاصرين من نُقِل عنه الموازنة بين حسنات بعض الناس وبين سيئاتهم ، خاصة إذا كانوا من أهل العلم والفضل .

فشيخنا العلامة الشيخ ابن باز رحمه الله صاحب عَدْل وإنصاف .

وما نُقِل عنه رحمه الله مِن ذمّ لِما أسمَوه بِفقه الموازنة ، إنما هو في أحوال مخصوصة ، كأن يكون الكلام عن أحد مِن أهل البدع الذين عُرفوا بها والدعوة إليها ، فلا يكون هناك موازنة في حال ذم بدعته ، ونحو ذلك .

وشيخنا الشيخ ابن باز رحمه الله يَعتَبِر الدولة العثمانية : " دَوْلَة خِلافَة " ، ومعلوم ما كانت عليه مِن عقائد وسلوك
قال شيخنا الشيخ ابن باز رحمه الله :
لم يَخْرج الشيخ محمد بن عبد الوهاب على دولة الخلافة العثمانية - فيما أعلم وأعتقد -، فلم يكن في نجد رئاسة ولا إمارة للأتراك ، بل كانت نجد إمارات صغيرة وقُرى مُتناثرة ، وعلى كل بلدة أو قرية - مهما صَغُرت - أمير مُستقِلّ … وهي إمارات بينها قِتال وحُروب ومُشاجرات ، والشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يَخْرج على دولة الخلافة ، وإنما خَرَج على أوْضاع فاسِدة في بَلَدِه ، فجَاهَد في الله حق جهاده وصابَر وثابَر حتى امْتدّ نُور هذه الدعوة إلى البلاد الأخرى .
(دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب)

وكذلك قال شيخنا العثيمين رحمه الله ، فإنه قال عن مَدينة النبي صلى الله عليه وسلم :
ولها فضائل عظيمة منها :
سَمّاها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم طَيبة وطابَا ، ولها أسماء وتُسمى المدينة النبوية ، هكذا وَصْفُها في الكتب السابقة ، ثم طَرأ هذا اللفظ الأخير المدينة المنورة ، والظاهر أنه وُجد في زمن الخلافة العثمانية ، ولكن هذا غَلَط ؛ لأن وَصْفها بالنبوية أخَصّ مِن وَصْفها بِالْمُنَوّرة ؛ إذ أن كل مدينة دَخَلها الإسلام فقد اسْتَنَارَت بالإسلام ... ، لكن النبوية لا يمكن أن يُشَارِكها أحَد في هذا الوَصف . ولهذا بدأ - والحمد لله - كثير مِن الناس اليوم يَقول : المدينة النّبَويّة ، وهذا هو الأفضل بِلا شَكّ .
(شرح كتاب الحج من صحيح البخاري)

وشيخنا العثيمين رحمه الله له كلام في هذا الباب

قال شيخنا العلامة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله وأسكنه فسيح جناته :
مِن الحَيْف والجَوْر أن يتكلم الإنسان في شخص كَعَالِم أو تاجر أو أي إنسان ، ثم يذكر مساوئه التي قد يكون معذورا فيها ، ولا يَذكر مَحاسنه .
هل هذا من العدل ؟
يأتي إلى عالِم مِن العلماء أخطأ في مسأله قد يكون معذورا فيها ثم ينشر هذه المسألة التي أخطأ فيها وينسى محاسن هذا العالِم الذي نفع العباد بكثير من علمه .
هذا لا شك أنه تطفيف وجَوْر وظُلم .
إذا كنت تريد أن تقوّم الشخص فلا بدأن تذكر محاسنه ومساوئه ، أما إذا كنت تريد أن تتكلم على خطأ معين لتحذر الناس منه ، فنعم . اذكر الخطأ لكن بقطع النظر عن قائله وقل - مثلا - سمعنا أن بعض الناس يقول : كذا وكذا ، وهو خطأ ، وتُبيّن الخطأ .
أما أن تريد أن تنشر مساوىء الآخرين دون محاسنهم فهذا ظُلم وجَوْر .

كذلك أيضا بعض الناس يتكلم في واحد من التجار ، هذا التاجر قد نفع الناس بتجارته ؛ بإقراض المحتاجين والصدقة عليهم وبناء المساجد وأشياء كثيرة ، لكن عنده معامله أخطأ فيها في نظر هذا القائل ، فيذهب يسبّه بناء على إيش ؟
بناء على هذا الخطأ الذي قد يكون هذا التاجر استند فيه على فتوى ربما يكون معذوراً ، والخطأ على من قال بالخطأ ، لكنه معذور .
فيه الآن تجار لهم خيرات كثيرة ، ومحاسن ونفقات وصدقات وغير ذالك من المحاسن ، لكن أخطأ في معاملة من المعاملات ، وربما يكون الخطأ هذا غير واقعي ، ولكنه قي نظر القائل والمتكلم ، فيذهب بض الناس ويضفي ظلالاً على هذه المحاسن ويذهب يتكلم فيه : فلان يبع في الربا . فلان يتحيّل على الربا . فلان يقول كذا وكذا . هذا ما هو صحيح .
العدل والميزان أن تذكر هذا وهذا . استمع إلى قول الله تعالى قي الأعراب : (وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
فالعَدل والمُوازَنة أمْر مَطلوب ، وإلاّ لكنت مِن المُطَفّفِين الذين يريدون الحقّ لهم كاملا ، ولكنهم يَهْضِمُون غيرهم . اهـ .
(اللقاء الشهري 51) - [وهو مُرفَق أدناه] -

فالعدل مأمُور به .

قال ابن حزم رحمه الله :
ووجدت أفضل نِعم الله تعالى على المرء أن يَطبعه على العَدل وَحُبّه وعلى الحق وإيثاره .. وأما مَن طُبِع على الجَوْر واستسهاله ، وعلى الظلم واستخفافه ، فلييأس مِن أن يُصلِح نفسه ، أو يُقوِّم طباعه أبدا ، وليُعلم أنه لا يُفلح في دِين ولا في خُلق محمود . اهـ .

وقد وقفت على كلام جميل غاية في الإنصاف لمعالي الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ في محاضرة له بعنوان : الفتوى بين مطابقة الشرع ومسايرة الأهواء .

أسوق منه مقتطفات فيما يتعلق بالتعامل مع المُخالِف ، وإن كان فيه بِدعة .

قال حفظه الله :
إذا كانت المسألة متعلقة بالعقائد ، أو كانت المسألة متعلقة بعالِم من أهل العلم في الفتوى في شأنه بأمر من الأمور ، فإنه هنا يجب النظر فيما يؤول إليه الأمر من المصالح ودفع المفاسد ، ولهذا ترى أئمة الدعوة رحمهم الله من وقت الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن - أحد الأئمة المشهورين - إلى وقت الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله إذا كان الأمر متعلقا بإمام أو بعالِم أو بمن له أثر في السنة ، فإنه يتورّعون ويبتعدون عن الدخول في ذلك .
مثاله :
الشيخ صدِّيق حسن القنّوجي - الهندي المعروف - عند علمائنا له شأن ، ويُقدّرون كتابه " الدِّين الخالص " مع أنه نَـقَـدَ (الدعـوة) في أكثر من كتاب له ، لكن يَغضّون النظر عن ذلك ولا يُصعِّدون هذا ، لأجل الانتفاع بأصل الشيء ، وهو تحقيق التوحيد ودرء الشرك .
المثال الثاني :
الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني - المعروف - صاحب كتاب " سُبل السلام " وغيره ، له كتاب " تطهير الاعتقاد " وله جهود كبيرة في ردّ الناس إلى السنة ، والبعد عن التقليد المذموم والتعصب وعن البدع ، لكنه زلّ في بعض المسائل .
ومنها ما يُنسب إليه في قصيدته المشهورة لما أثنى على ( الدعوة )
قيل : إنه رجع عن قصيدته تلك بقصيدة أخرى يقول فيها :
رجعت عن القول الذي قد قلت في النجدي
يعني به الشيخ محمد بن عبد الوهاب
ويأخذ هذه القصيدة أرباب البدع - وهي تُنسب له وتُنسب أيضا لابنه إبراهيم - وينشرونها على أن الصنعاني كان مؤيداً للدعوة لكنه رجع !
والشوكاني رحمه الله مقامه أيضا معروف .
الشوكاني له اجتهاد خاطئ في التوسل
وله اجتهاد خاطئ في الصفات ، وتفسيره فيه بعض الآيات فيها تأويل .
وله كلام في عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليس بالجيد
وله كلام في معاوية رضي الله عنه ليس بالجيد
لكن العلماء لا يذكرون ذلك
وألّـف الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله كتبه : تبـرئـة الشيخين الإمامين . يعني به الإمام الصنعاني والإمام الشوكاني .
لماذا فعلوا ذلك ؟
لأن الأصل الذي يبني عليه هؤلاء العلماء هو السُّـنة
فهؤلاء ما خالفونا في أصل الاعتقاد
ولا خالفونا في التوحيد
ولا خالفونا في نُصرة السنة
ولا خالفونا في ردّ البدع
وإنما اجتهدوا فأخطأوا في مسائل .
والعالِم لا يُـتْـبَع بزلّته ، كما أنه لا يُـتّبع في زلّته .
فهذه تُترك ويُسكت عنها ، ويُنشر الحق ، ويُنشر من كلامه ما يؤيد به .
ثم قال :
وقد حدثني فضيلة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان - حفظه الله - حينما ذَكَر قصيدة الصنعاني الأخيرة :
( رجعت عن القول الذي قلت في النجدي ) التي يُقال إنه كتبها .
قال : سألت شيخنا الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله عنها : هل هي له أم ليست له ؟ يقول : فقال لي الشيخ : الظاهر أنها له ، ومشايخنا يُرجّحون أنها له ، ولكن لا يُريدون أن يُقال ذلك ؛ لأنه نَصَر السّنّة ، وَرَدّ البِدعة .
مع أنه هجم على الدعوة ، تكلّم في هذه القصيدة في الشيخ محمد بن عبد الوهاب .

انتهى كلامه حفظه الله .

فهذه الجـادّة فاسكلها سلك الله بك سُبل الخير ، ودع التجريح والوقوع في أعراض عباد الله تحت شعار " الجرح والتعديل " !

قال ابن دقيق العيد : أعراض الناس حفرة من حفر النار وقف على شفيرها طائفتان الحكام والمحدثون

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
ليس لأحد أن يتبع زلات العلماء كما ليس له أن يتكلم في أهل العلم والإيمان إلاّ بما هُم له أهل ، فإن الله تعالى عفا للمؤمنين عما أخطأوا . اهـ .


وأما الطَّرَف الآخر ، وهو من أَعْمَل هذا الفقه ، فإنه بَنَى على ذلك تعظيم الرِّجال وتقديسهم ، بل والتغاضي عن الزلاَّت ، وعدم التنبيه على الأخطاء ..
وهذا خطأ ..
والأول خطأ ..

فلا تُزعَم العصمة للعلماء ..
ولا يُضرب الطّبل لِزلاّتهم ..

وهذا جزء مُقتَطَع مِن اللقاء الشهري 51 لشيخنا العلاّمة ابن عثيمين رحمه الله
https://b.top4top.net/m_1065gict31.mp4


والله أعلم .

المجيب الشيخ/ عبد الرحمن بن عبد الله السحيم


التعديل الأخير تم بواسطة نسمات الفجر ; 17-02-2010 الساعة 08:55 PM.

إضافة رد

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
معنى أعوذ بك منك راجية العفو إرشـاد الأدعـيــة 0 30-10-2014 10:03 PM
ما معنى (كهيعص) ؟ *المتفائله* قسم القـرآن وعلـومه 0 11-03-2010 09:28 AM
ما معنى الشبهات؟؟ ناصرة السنة قسـم الفقه العـام 0 15-02-2010 05:11 PM
ما معنى كلمة برب...؟؟؟ محب السلف قسـم الأنترنـت 0 14-02-2010 07:04 PM
ما معنى (لا يسترقون) ؟ عبق قسـم السنـة النبويـة 0 14-02-2010 02:00 PM

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


الساعة الآن 01:38 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2019, by Sherif Youssef

يُشْترَطُ فِي حَالِ نَقْلِ الفَتَاوَى مِنْ مُنْتَدَياتِ الإرْشَادِ ذِكْرُ اِسْمِ فَضَيلةِ الشَيْخِ عَبْدِ الرَحمنِ السُحَيْمِ أَوْ ذِكْرُ اسْمِ المُنْتَدى