نسمات الفجر
الصورة الرمزية نسمات الفجر

الهيئـة الإداريـة


رقم العضوية : 19
الإنتساب : Feb 2010
الدولة : السعودية
المشاركات : 2,966
بمعدل : 0.85 يوميا

نسمات الفجر غير متواجد حالياً عرض البوم صور نسمات الفجر


  مشاركة رقم : 1  
المنتدى : قسـم الفتـاوى العامـة
افتراضي كيف تكون محاسبة الإنسان لنفسه ؟
قديم بتاريخ : 05-02-2016 الساعة : 10:57 AM


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
جزاكم الله خيرا شيخي الفاضل
كيف تكون محاسبة الإنسان لنفسه ؟
هل من الممكن أن تساعدوني عن الكيفية والوسائل
بارك الله فيكم



الجواب :

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
وجزاك الله خيرا ، وبارك الله فيك .

يُحاسِب الإنسان نفسه بأن يَقِف مع نفسه في أفعاله وأقواله وأخلاقه وتصرّفاته : هل هي التي أمَرَ الله بها ، أوْ لا ؟ هل هي مما يَرضاه الله عزَّ وجَلّ أو لا ؟
فإن مَن حاسَب نفسه هان عليه الحساب يوم القيامة ، كما قال عمر رضي الله عنه : حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحَاسَبوا ، وتَزَيّنوا ، وإنما يَخفّ الحساب يوم القيامة على مَن حاسَب نفسه في الدنيا .
وفي رواية أنه قال : حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحَاسَبوا ، وزِنُوا أنفسكم قبل أن تُوزَنوا ، وتَزَيّنوا يوم تُعْرَضون لا يَخْفَى مِنكم خافية .

وكما قال ميمونُ بنُ مِهران : الْمُتَّقِي أشدُّ محاسبةً لنفسه من الشريكِ الشحيحِ لِشريكه .

ومَن حاسَب نفسه هَذَّب أخلاقه ، وأطَرَ نفسه على الْحَقّ أطْرًا ، وقَسَرها على صلاحها قسْرًا .
ومَن ترك نفسه وَهَوَاها فقد سَعَى في رَدَاها .

ومَن حاسَب نفسه أصْلَح عيوبها ، وسَدّ خَللها .

وذلك أن عيوب النفس ربما تَخْفَى ، وقَلّ مَن ينتبه لها ويُصلحها ، أما العيوب الظاهرة فَكلّ يَراها ، وذلك مثل : أمراض البَدَن ، وأمراض القلب الْمَعْنَوِيّة ، فأمراض البَدَن كُلّ يشعر بها ، وأمراض القلب الْمَعْنَوِيّة قَلّ مَن ينتَبِه لها ، وذلك مثل : الغِلّ والحسد والبغضاء واحتقار الناس ، وغير ذلك مِن أمراض القلوب .

ولذلك كان إصلاح القلوب وتصحيح أعمال القلوب أحبّ إلى الله مِن أعمال الظاهِر ؛ لأن قبول الأعمال مَبْنيّ على صلاح القلوب التي هي مَحَلّ نَظَر الرّب ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قَالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ : إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ
وَفِي رِوايَةٍ لَهُ : إِنَّ اللَّهَ لاَ يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلاَ إِلَى صُوَرِكُمْ ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ ، وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إِلَى صَدْرِهِ .

وإذا عَلِم الإنسان أنه موقوف بين يديّ الله عزَّ وجَلّ وَمَسئول عَمّا خَوّله الله وَحَبَاه ، اجتهَد في محاسبة نفسه وتزكيتها .

قال ابن القيم : قال تعالى : (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ)
قال محمد بن جرير : يَقول الله تعالى : ثم لَيَسْألَنّكم الله عَزّ وجَلّ عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا : ماذا عَمِلْتُم فيه ؟ مِن أين دَخلتم إليه ؟ وفِيمَ أصَبْتُمُوه ؟ وماذا عملتم به ؟
وقال قتادة : إن الله سائل كل عبدٍ عمّا استودَعه مِن نِعْمَته وحَقّه .
والنعيم المسئول عنه نوعان :
نوع أُخِذَ مِن حِلّه وصُرِف في حَقّه ، فيُسْأل عن شُكْرِه .
ونوع أُخِذَ بِغير حِلّه وصُرِف في غير حَقّه ، فيُسْأل عن مُسْتَخْرَجِه ومَصْرِفه .
فإذا كان العبد مَسئولا ومُحَاسَبا على كل شيء ، حتى على سَمْعِه وبَصَره وقَلْبه ، كما قال تعالى : (إنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا) .
فهو حَقيق أن يُحَاسِب نَفسه قبل أن يُنَاقَش الْحِسَاب .
وقد دَلّ على وجوب مُحَاسَبة النفس قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) .
يقول تعالى : لِينظر أحدكم ما قَدَّم لِيَوم القيامة مِن الأعمال : أمِن الصالحات التي تُنْجِيه ، أم مِن السيئات التي تُوبِقه ؟
قال قتادة : ما زَال رَبّكم يُقرب الساعة حتى جَعَلها كَغَد .
والمقصود أن صلاح القلب بِمُحاسَبة النفس ، وفساده بإهْمَالِها والاسْتِرْسَال معها .
وقال ابن القيم :
وفى مُحَاسَبة النفس عدة مصالح ، منها :
الاطّلاع على عيوبها ، ومَن لم يَطّلع على عَيب نفسه لم يُمْكِنه إزالته ، فإذا اطّلع على عيبها مَقَتَها في ذات الله تعالى ...
فالنَّفْس دَاعِية إلى الْمَهَالِك ، مُعِينة للأعداء ، طَامِحَة إلى كُلّ قَبِيح ، مُتّبِعَة لِكُلّ سُوء ؛ فهي تَجْرِي بِطَبْعِها في مَيْدَان الْمُخَالَفَة .
وقال :
مِن أنفع ما للقَلْب : النظر في حقّ الله على العبد . فإن ذلك يُورِثه مَقْت نفسه ، والإزراء عليها ، ويُخلّصه مِن العُجب ورُؤية العَمل ، ويَفتح له باب الخضوع والذلّ والانكسار بين يَدي الله ، واليأس مِن نفسه ، وأن النجاة لا تَحصل له إلاّ بِعَفو الله ومَغفرته ورَحمته ، فإن مِن حَقّه أن يُطاع ولا يُعصَى ، وأن يُذكر فلا يُنْسَى ، وأن يُشْكَر فلا يُكْفَر .
فَمَن نَظَر في هذا الْحَقّ الذي لِرَبّه عليه عَلِم عِلْم اليقين أنه غير مُؤدّ له كَما يَنبغي ، وأنه لا يَسَعه إلاّ العَفو والمغفرة ، وأنه إن أُحِيل على عَمَله هَلَك .
فهذا مَحَلّ نَظر أهل المعرفة بالله تعالى وبِنُفُوسِهم ، وهذا الذي أيْأسَهم مِن أنْفُسِهم ، وعَلّق رَجاءَهم كُلّه بِعَفْو الله ورحمته .
وإذا تأمَّلت حال أكثر الناس وَجَدتّهم بِضِدّ ذلك ؛ يَنظرون في حَقّهم على الله ، ولا يَنْظُرون في حَقّ الله عَليهم . ومِن هاهنا انْقَطَعوا عن الله ، وحُجِبَت قُلوبهم عن مَعْرِفته ومَحبته ، والشّوق إلى لِقائه ، والتَّنَعّم بِذِكْرِه ، وهذا غاية جهل الإنسان بِرَبّه وبِنَفسِه .
فَمُحَاسَبة النفس : هو نَظَر العَبد في حَقّ الله عليه أوّلاً ، ثم نَظَره : هل قام به كَمَا يَنْبَغِي ثانيًا ؟
ومن فوائد نظر العبد في حق الله عليه :

أن لا يتركه ذلك يُدِلُّ بِعَمَل أصلا كائنا ما كان ، ومَن أدلَّ بِعَمَله لم يَصعد إلى الله تعالى . اهـ .

وكان السَّلف يَتّهِمون أنفسهم مع فَضلهم ، ويَتّهمون أنفسهم بالتقصير رَغم جلالة أعمالهم .
لَمّا ولي أبو بكر الخلافة خَطب الناس فقال : إني قَد وُلِّيتُ عَليكم ولَسْتُ بِخَيْرِكُم . فلمّا بَلَغ الحسن البصري قوله ، قال : هو والله خَيْرُهم غَير مُدَافَع ، ولكن الْمُؤمِن يَهْضِم نَفْسَه . رواه البيهقي في السنن الكبرى.

وأخرج ابن سعد بسند صحيح عن عكرمة أن أبا هريرة كان يُسَبِّح كل يوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة ، يقول : أُسَبِّح بِقَدْرِ ذَنْبِي . ذَكَره ابن حجر في الإصابة .

ومَن عَلِم أنه موقوف بين يدي الله ، ومسئول عن كل صغير وكبير ؛ أعدّ لِكلّ سؤال جوابا ، ومِن أسئلة يوم القيامة :
عن مَالِه :
مِن أين اكتسبه ؟
وفيمَ أنفقه ؟

وقد نَهَى النبي صلى الله عليه وسلم عَن إضاعة المال .
قال عليه الصلاة والسلام : إن الله كَرِه لكم ثلاثا : قيل وقال ، وإضاعة المال ، وكثرة السؤال . رواه البخاري ومسلم .
قال ابن عبد البر : إِضَاعَةُ الْمَالِ إِنْفَاقُهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ مِنَ الْبَاطِلِ وَالإِسْرَافِ وَالْمَعَاصِي . اهـ .

ويُسأل كل إنسان :
عن عُمُره فيمَ أفناه ؟
وعن شبابه فيمَ أبلاه ؟


مِن أجل ذلك اشْتَدّت مُحاسَبة السَّلَف لأنفسهم ، وحرِصوا على أوْقَاتهم ، وضَنّوا بها أن تذْهَب سُدى ، وأن تَضيع الأعمار هَبَاء .

كان عامر بن عبد قيس يقول : والله لأجتهدن ، ثم والله لأجتهدن ، فإن نَجوت فَبِرَحمة الله ، وإلاّ لِمْ ألُم نفسي .

وكان زياد مولى ابن عيّاش يقول لابن المنكَدِر ولِصَفوان بن سُليم : الجد الجد ، والحذر الحذر ، فإن يكن الأمر على ما نرجو كان ما عَمِلتما فَضلا ، وإلاّ لم تَلُوما أنفسكما .

وكان مُطَرِّف بن عبد الله يقول : اجتهدوا في العمل ، فإن يكن الأمر كما نرجو مِن رحمة الله وعَفوه ، كانت لنا دَرجات في الجنة ، وإن يكن الأمر شديدا كما نَخاف ونُحاذر ، لم نَقُل : (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) ، نقول : قد عملنا فلم ينفعنا ذلك .

ومِمّا يَعين على مُحَاسَبَة النفس : أن يَنظر الإنسان في سِيَر السَّلَف ، وكيف كانوا ؟

وقال حَمْدُون القصّار : مَن نَظر فِي سِيَر السَّلَف عَرَف تَقْصِيره وتَخَلّفَه عَن دَرَجَات الرِّجَال .

ومَن حاسَب نفسه تَخَلّص مِن حقوق الْخَلْق ؛ لأن حقوق العباد مبناها على القصاص في القيامة .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مَن كانت له مَظْلَمَة لأحَد مِن عِرْضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا دِرهم ، إن كان له عمل صالح أُخِذ منه بِقَدْرِ مَظْلَمَته ، وإن لم تكن له حسنات أُخِذ مِن سيئات صاحِبه فَحُمِلَ عليه . رواه البخاري .
ولِقوله عليه الصلاة والسلام : لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ . رواه مسلم .

وسبق الجواب عن :
كيف نبدأ تزكية النفس ؟
http://al-ershaad.net/vb4/showthread.php?t=7135

تنظُر إلى عبادتها بأنها أفضل مِن غيرها ، فهل حَبط عملها بهذا ؟
http://al-ershaad.net/vb4/showthread.php?t=11224

نصيحة للمغتابين والنمامين وكثيري اللغو ؟
http://al-ershaad.net/vb4/showthread.php?t=7909

كيف أعاقب نفسي وأحاسبها بعد أن أخطأت
http://al-ershaad.net/vb4/showthread.php?t=5910

ومَقالات :
تزكية النفس ..
http://al-ershaad.net/vb4/showthread.php?t=7933

أقرب للتقوى
http://al-ershaad.net/vb4/showthread.php?t=13165

أنـت مَـلـك ...
http://al-ershaad.net/vb4/showthread.php?t=1895

مَـهَـانَـةُ نَـفْـس !
http://al-ershaad.net/vb4/showthread.php?t=6307

ما الذي بالله غرّك ؟
http://al-ershaad.net/vb4/showthread.php?t=6118

خُطبة عن (آفاتٍ في النفوس)
http://al-ershaad.net/vb4/showthread.php?t=13051

خُطبة جُمعة عن .. (اتهام النفس)
http://al-ershaad.net/vb4/showthread.php?p=16902

والله تعالى أعلم .

المجيب الشيخ/ عبد الرحمن بن عبد الله السحيم
الداعية في وزارة الشؤون الإسلامية في الرياض


إضافة رد

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
هل يجوز إطلاق صفات الله وأسمائه على الإنسان بشرط أن تكون نكرة؟ راجية العفو قسـم العقـيدة والـتوحيد 0 02-04-2010 05:00 PM
هل الاستخارة لا تكون في أمر تردد فيه الإنسان ؟ محب السلف إرشــاد الـصــلاة 0 12-03-2010 10:33 PM
إذا صلى وأخطأ في آية نظر في المصحف ليصحح لنفسه رولينا قسـم الفقه العـام 0 17-02-2010 01:49 AM
هل تجوز محاسبة النفس بطريقة (وِرد المحاسبة) ؟ محب السلف قسم التوبـة والدعوة الى الله وتزكية النفس 0 09-02-2010 06:58 PM

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


الساعة الآن 07:15 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2019, by Sherif Youssef

يُشْترَطُ فِي حَالِ نَقْلِ الفَتَاوَى مِنْ مُنْتَدَياتِ الإرْشَادِ ذِكْرُ اِسْمِ فَضَيلةِ الشَيْخِ عَبْدِ الرَحمنِ السُحَيْمِ أَوْ ذِكْرُ اسْمِ المُنْتَدى