نسمات الفجر
الصورة الرمزية نسمات الفجر

الهيئـة الإداريـة


رقم العضوية : 19
الإنتساب : Feb 2010
الدولة : السعودية
المشاركات : 3,045
بمعدل : 0.85 يوميا

نسمات الفجر غير متواجد حالياً عرض البوم صور نسمات الفجر


  مشاركة رقم : 1  
المنتدى : قسم الخُطب المنبرية
افتراضي خُطبة جمعة .. عن (أهمية التوحيد)
قديم بتاريخ : 30-10-2019 الساعة : 06:38 AM

الحمدُ للهِ ذِي الفَضْلِ وَالنِّعَمِ ، وسُبْحَانَ ذِي المَجْدِ وَالكَرَمِ سُبْحَانَ الَّذِي تَعَطَّفَ العِزَّ وَقَالَ بِهِ، سُبْحَانَ الَّذِي لَبِسَ المَجْدَ وَتَكَرَّمَ بِهِ، سُبْحَانَ الَّذِي لا يَنْبَغِي التَّسْبِيحُ إِلاَّ لَهُ .
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) .

أمَّـا بعـدُ :
فإنَّ اللهَ سبحانَهُ ما خَلَقَ الخَلْقَ إلا لِحِكْمَةٍ بالغةٍ . خَلقَهُم لِيعبدوه وحْدَه ، فلا يُشْرِكُوا مَعَهُ غيرَه .
فلا يُدْعَى سِوى اللهِ ، ولا يُذْبَحُ ولا يُنْذَرُ لِغَيْرِهِ ، ولا يُطْلَبُ الْمَدَدُ إلا مِنَ اللهِ وحْدَه ، ولا يُعاذُ ولا يُلاذُ إلاَّ باللهِ وكلماتِهِ التامَّةِ ، ولا يُسجدُ لمخلوقٍ كائنا مَنْ كانَ ، مِنْ أجْلِ ذلِكَ كانتْ صلاةُ الْجَنَازةِ بِلا رُكوعٍ ولا سُجودٍ خشيةَ أنْ يُخيّلَ لأحدٍ أنَّ ذلِكَ السجودَ مِنْ أجْلِ ذَلكَ الْمَيَّتِ .

وقدْ يَظُنُّ بعضُ النَّاسِ أنَّ الشِرْكَ محصورٌ في صورةِ السجودِ لغيرِ اللهِ ، أو دُعاءِ الأصنامِ ، وليسَ الأمرُ كذلِكَ فإنَّ الشركَ أنواعٌ ، وقدْ يَقعُ في توحيدِ الربوبيِّةِ ، ومِنْهُ :
أولا : شِرْكُ التَّعطيلِ ، وهُوَ أقْبَحُ أنواعِ الشركِ ، ويَدخلُ فيه كلُّ مَن عطّلَ أسماءَ الربِّ وصِفاتِهِ .
ثانيًا : شِركُ مَنْ جَعَلَ مَعَهُ إلَهًا آخَرَ ولَمْ يُعطِّلْ أسماءَهُ وصفاتَهُ وربوبيتَّه، كَشِركِ النصارى الذين جَعلُوهُ ثالثَ ثلاثةٍ، وشِركِ المجوسِ القائلينَ بإسنادِ حوادثِ الخيرِ إلى النورِ ، وحوادثِ الشرِ إلى الظُلْمةِ .
ومِنْ هذا شِرْكُ كثيرٍ مِمَّنْ يشركُ بالكواكبِ العُلوياتِ ، ويجعلُهَا مدبرِةً لأمْرِ هذا العالَمِ . تأمَّل حالَ قَرَأةِ النجوم والطوالِع ، وعلاقتهم بذلك !
قالَ الشيخُ سليمانُ بِنُ عبدِ اللهِ في " تيسيرِ العزيزِ الحميدِ " : ويلتحقُ به مِن وَجْهٍ : شِركُ غلاةِ عُبَّادِ القبورِ الذين يَزْعُمونَ أنَّ أرْواحَ الأوْلِياءِ تتصرفُ بعدَ الموتِ، فَيَقْضُونَ الحاجاتِ، ويُفَرِّجّونَ الكرباتِ، وينْصُرونَ مَنْ دعاهُم، ويحفظونَ مَنْ التجأَ إليهِمْ، وَلاذَ بِحماهِم، فإنَّ هذهِ مِنْ خصائصِ الربوبيةِ . اهـ .
وقدْ يَقعُ الشركُ في الشركِ في توحيدِ الإلوهيةِ والعبادةِ
قالَ القرطبيُّ في تفسيرِهِ : اعْلَمْ أَنَّ عُلَمَاءَنَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالُوا: الشِّرْكُ عَلَى ثَلاثِ مَرَاتِبَ وَكُلُّهُ مُحَرَّمٌ . وَأَصْلُهُ اعْتِقَادُ شَرِيكٍ لِلَّهِ فِي أُلُوهِيَّتِهِ ، وَهُوَ الشِّرْكُ الأَعْظَمُ وَهُوَ شِرْكُ الْجَاهِلِيَّةِ .
وَيَلِيهِ فِي الرُّتْبَةِ : اعْتِقَادُ شَرِيكٍ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الْفِعْلِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ مَوْجُودًا مَا غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى يَسْتَقِلُّ بِإِحْدَاثِ فِعْلٍ وَإِيجَادِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدْ كَوْنَهُ إِلَهًا .
وَيَلِي هَذِهِ الرُّتْبَةَ الإِشْرَاكُ فِي الْعِبَادَةِ وَهُوَ الرِّيَاءُ، وَهُوَ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِفِعْلِهَا لَهُ لِغَيْرِهِ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي سِيقَتِ الآيَاتُ وَالأَحَادِيثُ لِبَيَانِ تَحْرِيمِهِ، وَهُوَ مُبْطِلٌ لِلأَعْمَالِ وَهُوَ خَفِيٌّ . اهـ .
وقالَ الشيخُ سليمانُ بنُ عبدِ اللهِ في قولِهِ : إنَّ موجودًا ما غيرَ اللهِ تعالى يستقلُ بإحداثِ فِعلٍ وإيجادِهِ :
وهوَ نَوْعَانِ :
أحدُهُما : أنْ يجعلَ للهِ نِدًا يدعُوُه كما يدعو اللهَ، ويسألُه الشفاعةَ كما يسألُ اللهَ، ويرجوه كما يرجو اللهَ، ويحبُّه كما يحبُّ اللهَ، ويخشاهُ كما يخشى اللهَ . وبالجملةِ فهُوَ أنْ يجعلَ اللهَ ندًا يَعبدُه كما يَعبدُ اللهَ، وهذا هوَ الشركُ الأكبرُ .
الثاني: الشركُ الأصغرُ، كَيَسِيرِ الرِّياءِ والتصنعِ للمَخْلُوقِ ، وعَدمِ الإخلاصِ للهِ تعالى في العبادةِ، بل يَعملُ لِحَظِّ نفسِهِ تارةً، ولِطَلبِ الدنيا تارةً، ولِطَلبِ المنْزلةِ والْجاهِ عندَ الخلقِ تارةً، فلَه مِنْ عملِهِ نصيبٌ، ولغيرِه مِنْهُ نصيبٌ، ويتْبعُ هذا النوعَ : الشركُ باللهِ في الألفاظِ ، كالْحَلفِ بغيرِ اللهِ ، وقولِ : ما شاءَ اللهُ وشئتَ، ومالي إلا اللهُ وأنتَ، وأنا في حسبِ اللهِ وحسبِكَ، ونحوَهُ. وقدْ يكونُ ذلك شِرْكا أكبر بحسبِ حالِ قائلِه ومقصدِه. هذا حاصلُ كلامِ ابنِ القيمِ وغيرِهِ . اهـ .

أيَّها المؤمنون :
حياةُ الْمُسلِمِ مِنْ أوَّلِ لحظةٍ فيها إلى نِهايتِها كلُّها للهِ ، كما قالَ اللهُ عزَّ وَجَلّ : (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) .
فالتوحيدُ شُيِّـدَ مبناهُ على شهادةِ ألا إلهَ إلا اللهُ ، فمن أتى بناقضٍ مِن نواقضِها لَمْ تنفعْهُ لا إلهَ إلا اللهُ . فالمنافقونَ يقولونَها وهُم في الدركِ الأسفلِ .
قالَ ابنُ القيمِ – عن كلمةِ التوحيدِ – :
كلمةٌ قامتْ بِها الأرضُ والسماواتُ ، وخُلقَتْ لأجلِها جَميعُ المخلوقاتِ ، وبِها أرْسَلَ اللهُ تعالى رُسلَه ، وأنْزَلَ كُتُبَه ، وشَرَعَ شَرَائِعَه ، ولأجْلِهَا نُصِبتِ الموازينُ، ووُضِعَتِ الدواوينُ ، وقامَ سُوقُ الجنةِ والنارِ ، وبِها انْقَسَمَتِ الخليقةُ إلى المؤمنينَ والكفارِ ، والأبرارِ والفُجَّارِ ، فهي مَنشأُ الْخَلْقِِ والأمْرِ ، والثوابِ والعقابِ ، وهي الْحَقُّ الذي خُلِقَتْ له الخليقةُ ، وعنها وعنْ حقوقِها السؤالُ والحسابُ ، وعليها يَقعُ الثوابُ والعقابُ ، وعليها نُصِبَتِ القِبلةُ وعليها أسِّستِ الملةُ ، ولأجلِها جُرِّدتْ سُيوفُ الجهادِ ، وهي حقُّ اللهِ على جميعِ العبادِ ؛ فهي كلمةُ الإسلامِ ، ومفتاحُ دارِ السلامِ ، وعنها يُسْألُ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ ، فلا تَزولُ قَدَمَا العبدِ بينَ يدي اللهِ حتى يُسألَ عن مسألتينِ : ماذا كنتم تعبدونَ ؟ وماذا أجبتُمُ المرسلينَ ؟
فجوابُ الأولى : بتحقيقِ لا إلهَ إلا اللهُ ، معرفةً وإقرارًا وعَمَلاً .
وجوابُ الثانيةِ : بتحقيقِ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ معرفةً وإقرارا وانقيادًا وطاعة . اهـ.

وقالَ الشيخُ حافظُ الحكميُّ : والقُرآنُ كلُّه مِنْ أولِّه إلى آخِرِهِ في تقريرِ التوحيدِ ؛ لأنَّهُ إمَّا خبرٌ عنِ اللهِ تباركَ وتعالى وما يجبُ أنْ يُوصفَ بهِ وما يَجبُ أنْ يُنـزَّه عنْهُ ، وإمَّا دعوةٌ إلى عبادتِهِ وحْدَه لا شريكَ لَهُ ، وخَلْعِ ما يُعبدُ مِنْ دونِهِ ، وإما أَمْرٌ ونَهيٌ وإلزامٌ بِطاعتِهِ ، فذلكَ مِنْ حُقوقِ التوحيدِ ومُكَمِّلاتِه ، وإما خبرٌ عن إكرامِهِ لأهْلِ التوحيدِ ، وما فَعَلَ بِهم في الدنيا مِنْ النصرِ والتأييدِ ، وما يُكرِمُهُم به في الآخرةِ ، وهوَ جزاءُ توحيدِهِ وإما خبرٌ عنْ أهلِ الشركِ وما فَعَلَ بهم في الدنيا مِنَ النكالِ ، وما يُفعلُ بهم في العُقْبَى مِنَ العذابِ ، فهُوَ جزاءُ مَنْ خَرَجَ عنْ حُكْمِ توحيدِهِ؛ فالقُرْآنُ كُلُّهُ في التوحيدِ وحقوقِهِ وجزائِهِ، وفي شأنِ الشِّرْكِ وأهلِهِ وجزائِهِم .

توحيدُ اللهِ - أيها المسلمونَ - : أُرْسِلتْ به الرسلُ ، وأُنـزلتْ لأجْلِهِ الكُتبُ ، وفي التّنْزِيلِ : (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) فانْقَسَمَتِ الخليقةُ إلى قِسْمَيْن : (فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ) .

توحيدُ اللهِ : دَعَا إليه رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ثلاثةَ عشَرَ عامًا . عادَاهُ مِنْ أجلِهِ الناسُ ، ورمَوهُ بالحجارةِ فأدْمَوا عقبيهِ ، وأساءوا إليهِ ورَمَوه بالعظائمِ ، وكَالُوا له الشتائمَ ، وقالوا فيهِ منكرًا مِنَ القولِ وزورا .

توحيدُ اللهِ : كانَ أولَ ما بُعِثَ به رسولُ الهدى ، وإليهِ دَعَا ، وعليهِ بَعَثَ أصحابَهُ ، وبهِ أوصاهُم .
في الصحيحينِ عنِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنْهُ أنَّ النبيَّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بَعَثَ مُعاذًا إلى اليَمنِ ، فقالَ : ادعُهُم إلى شهادةِ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأنِّي رسولُ اللهِ .. الحديث .

التوحيدُ مِحْوَرُ الرسالاتِ ، وعليه تدورُ رحَى الإسلامِ . وهو أوّل ما يدعو إليه الرُّسُلُ قاطِبة .
بل هو ما عَلِمَه العقلاء في الجاهلية !
قال عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ السّلَمِيّ رضيَ اللهُ عنْهُ : كُنْتُ وَأَنَا فِي الْجَاهِلِيّةِ أَظُنّ أَنّ النّاسَ عَلَىَ ضَلاَلَةٍ ، وَأَنّهُمْ لَيْسُوا عَلَىَ شَيْءٍ . وَهُمْ يَعْبُدُونَ الأَوْثَانَ ، فَسَمِعْتُ بِرَجُلٍ بِمَكّةَ يُخْبِرُ أَخْبَارًا . فَقَعَدْتُ عَلَىَ رَاحِلَتِي ، فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ ، فَإِذَا رَسُولُ اللّهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مُسْتَخْفِيًا جُرَءَاءُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ ، فَتَلَطّفْتُ حَتّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ بِمَكّةَ. فَقُلْتُ لَهُ : مَا أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا نَبِيّ . فَقُلْتُ : وَمَا نَبِيّ ؟ قَـال : أَرْسَلَنِيَ الله . فقُلْتُ : وَبِأَيّ شَيْءٍ أَرْسَلَكَ ؟ قَال : أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الأَرْحَامِ وَكَسْرِ الأَوْثَانِ وأنْ يُوَحّدَ اللهُ لاَ يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ ... الحديث . رواهُ مسلمٌ .
ولَمَّا جاءَ أَبو تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ رضيَ اللهُ عنْهُ إلى رسولِ الله صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِلامَ تَدْعُو؟ قَالَ : أَدْعُو إِلَى اللهِ وَحْدَهُ ، الَّذِي إِنْ مَسَّكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ، كَشَفَ عَنْكَ، وَالَّذِي إِنْ ضَلَلْتَ بِأَرْضٍ قَفْرٍ دَعَوْتَهُ، رَدَّ عَلَيْكَ، وَالَّذِي إِنْ أَصَابَتْكَ سَنَةٌ فَدَعَوْتَهُ ، أَنْبَتَ عَلَيْكَ . رواه الإمامُ أحمدُ والبخاري في " الأدب المفْرَد " وأبو داودٍ . وصححَهُ الألبانيُّ والأرنؤوط، وهو حديثٌ صحيحٌ
ولَمَّا كاتَبَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عظماءَ الناسِ مِن الكفارِ دعاهُم إلى توحيدِ اللهِ بقولِهِ: أسْلِمْ تَسْلَمْ …، و: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ) رواه البخاريُّ ومسلمٌ .

فاحرصوا رحِمَكُم اللهُ على إخلاصِ العملِ للهِ ، واعلموا أنَّ ربَّكُم غنيٌّ كريمٌ ، غنيٌّ عنِ الشركاءِ ، مَنْ أشركَ باللهِ شيئًا تَرَكَهُ وشِرْكَهُ .

ثم اعلموا أنَّ توحيدَ اللهِ سببٌ لمغفرةِ الذنوبِ ، وضدَّه الشركُ ، فلا يُغفرُ معه ذنبٌ ، بلْ هوَ أعظمُ ذَنبٍ ، وهوَ أعظمُ سببٍ للخلودِ في النارِ ، أجارَكُم اللهُ مِنَ النارِ .
وفي الصحيحينِ مِنْ حديثِ ابنِ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنْهُ قالَ: سألتُ النبيَّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : أيُّ الذنبِ أعظمُ عندَ اللهِ ؟ قالَ : أن تجعلَ للهِ ندًّا وَهَو خَلَقَكَ . قلتُ: إنَّ ذلك لعظيمٌ . قلتُ : ثمَّ أيُّ ؟ قالَ : أنْ تقتلَ ولَدَكَ تخافُ أنْ يَطعمَ معكَ قلتُ : ثمَّ أيُّ ؟ قالَ : أنْ تزانيَ حليلةَ جارِكَ ، فأنزلَ اللهُ عزَّ وجلّ تصديقَهَا : (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) .
وروى مسلمٌ في صحيحِهِ عنْ جابرٍ قال : أتى النبيَّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رجلٌ، فقال: يا رسولَ اللهِ ما الْمُوجِبَتَانِ ؟ فقالَ : مَنْ ماتَ لا يُشركُ باللهِ شيئا دخلَ الجنةَ ومَن ماتَ يُشركُ بالله شيئا دخلَ النارَ .
قالَ ابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ عنْهُ : سمعتُ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ : مَنْ ماتَ يشركُ باللهِ شيئا دخلَ النارَ . وقلتُ أنا : ومَنْ مات لا يُشْرِكُ باللهِ شيئا دخَلَ الجنةَ . رواه البخاريُّ ومسلمٌ .
وفي وصيةِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ قالَ : لا تشركَنَّ باللهِ شيئا وإن قُطِّعتَ وحُرِّقتَ بالنارِ . رواه الحاكمُ وغيرُهُ .
وشفاعةُ النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لِمَنْ ماتَ لا يُشرِكُ باللهِ شيئا .
فقدْ سألَ أبو هريرةَ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: يا رسولَ اللهِ مَنْ أسعدُ الناسِ بشفاعتِكَ يومَ القيامةِ ؟ قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : أسعدُ الناسِ بشفاعتي يومَ القيامةِ مَنْ قالَ : لا إلهَ إلا اللهُ خالصا مِنْ قلبِهِ أو نفْسِهِ . رواه البخاريُّ .
قالَ ابنُ رَجبٍ: معنى قولِه : منْ شهِدَ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ صادقًا من قلبِهِ حرَّمَهُ اللهُ على النارِ . أنَّ مَنْ دخَلَ النارَ من أهلِ هذه الكلمةِ فَلِقِلَّةِ صِدْقِه فإنَّ هذهِ الكلمةَ إذا صَدَقَتْ طهّرتْ مِنَ القلبِ كلَّ ما سِوى اللهِ . اهـ .
وعنْ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنْهُ قالَ : قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : لكُلِّ نبيٍّ دعوةٌ مستجابةٌ فتَعجَّلَ كلُّ نبيٍّ دعوتَهُ وإني اختبأتُ دعوتي شفاعةً لأمّتي يومَ القيامةِ، فهِيَ نائلةٌ - إنْ شاءَ اللهُ - مَنْ ماتَ من أمّتي لا يُشرِكُ باللهِ شيئا . رواه البخاريُّ ومسلمٌ .
سائلاً اللهَ أنْ يتوفانا على التوحيدِ والسُّنّةِ .

إخوتي في اللهِ :
ربُّ العِزّةِ سبحانَهُ هو وحْدُهُ المستحقُّ للعبادةِ ؛ لذا كانتْ دعوةُ الأنبياءِ والمرسلينَ (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)
أعوذُ باللهِ مِنَ الشيطانِ الرجيمِ : (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آَيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ (13) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ)


الثانية
اعلموا - رعاكُمُ اللهُ - أنَّ مَنْ أشْرَكَ فقد حبِط عملُه . قالَ سبحانَه وبحمدِه مخاطبًا رسولَهُ عليه الصلاةُ والسلامُ: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (65) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ) .
وقالَ جلَّ جلالُهُ : (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيدًا)

فاحْذَروا أسبابَ سَخَطِ الجبارِ فإنَّ أجسامَكُم على النارِ لا تقوى .
واحرصوا رحِمَكُم اللهُ على تحقيقِ التوحيدِ ، وتفقّدِ النفسِ بن الحينِ والآخَرِ ، ومحاسبتِها على أفعالِها وخَطَرَاتِها .

ومُوجِبُ هذا القول ما تتعرّضُ له دعوةُ التوحيدِ مِن تنقّصٍ وازدراءٍ ، ودعواتٍ باطِلةٍ إلى قِلّةِ الاهتمامِ بالتوحيدِ .
قالَ الشيخُ مُلاّ علي القاري : القرآنُ كُلُّه توحيدٌ ، وكذا السُّنة . اهـ .
فَمَنْ هوّنَ مِن شأنِ التوحيدِ ، فإنما يُهوِّنُ مِن شأنِ الكتابِ والسُّنَةِ .
فإن قالَ قائلٌ : نحن في بلدِ التوحيدِ ، ونحن في مأمَنٍ مِن الشِّرْك .
فيُقال له : نعم ، نحنُ في بلدِ التوحيدِ ، ولكننا لَسْنَا في مأمَن مِن الشِّرْك والزِّيْغِ ، فإن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أخبَرَ أنها لا تقومُ الساعةُ حتى تُعْبَدَ الأصنامُ في جزيرةِ العَرَب ، كما في الصحيحين .

عباد الله :
الشدائد تُمَحّصُ التوحيدَ في قلوب المؤمنين ..
قال الإمامُ الْهُمَامُ ، شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ : مِن تَمَام نِعمة الله على عباده المؤمنين أن يُنْزِل بِهم الشّدّة والضّرّ وما يُلْجِئهم إلى تَوحِيده ؛ فيَدْعُونه مُخْلِصين له الدّين ، ويَرْجُونه لا يَرْجُون أحدًا سِواه ، وتَتَعَلّق قُلُوبهم به لا بِغَيره ، فيَحصُل لهم مِن التّوكل عليه ، والإنابة إليه ، وحَلاوة الإيمان ، وذَوْق طَعْمه ، والبَرَاءة مِن الشّرك : ما هو أعظم نِعمة عليهم مِن زَوال الْمَرَض والْخَوف أو الْجَدب ، أو حُصول اليُسْر ، وزَوال العُسْر في الْمَعِيشة ؛ فإن ذلك لَذّات بَدَنِيّة ، ونِعَم دُنْيوية قد يَحصُل للكافِر منها أعظم مما يَحصُل للمُؤمن .
وأما ما يحصل لأهل التوحيد الْمُخْلِصِين لله الدّين ؛ فأعْظَم مِن أن يُعَبِّر عن كُنْهِه مَقَال ، أو يَستَحضِر تَفْصِيله بَال . ولِكلّ مُؤمِن مِن ذلك نَصيب بِقَدْر إيمانه .

وخلاصة القول: التوحيد يُصلِح الأرض، والشِّرْك يُفسِدها .

قال ابن القيم : وبالجملة فالشرك والدعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره ومطاع متبع غير رسول الله هو أعظم الفساد في الأرض ولا صلاح لها ولا لأهلها إلا أن يكون الله وحده هو المعبود والدعوة له لا لغيره والطاعة والأتباع لرسوله ليس إلا وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته فلا سمع له ولا طاعة ، فإن الله أصلح الأرض بِرسوله ودينه وبالأمر بتوحيده ونهي عن إفسادها بالشرك به وبمخالفة رسوله .
ومن تدبّر أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله وكل شَر في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدو وغير ذلك فَسَبَبه مخالفة رسوله والدعوة إلى غير الله ورسوله .

أسألُ اللهَ بأسمائه الْحُسنى أنْ يُجنّبَنا الشركَ صغيرِهِ وكبيرِه
ثم اعلموا أنَّ البخيلَ من ذُكِرَ عندَهُ الرسولُ المجتبى والنبيُّ المصطفى فلمْ يُصلِّ عليه . وأنَّ مَن خَطِئ الصلاةَ على رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقد خطئ طريقَ الجنةِ .

1433 هـ

وهنا :
الْتِفاتَة قَلب ( خُطبة عن التوكل )
http://al-ershaad.net/vb4/showthread.php?t=13891

إضافة رد

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
خُطبة جمعة .. عن (الاختبارات) نسمات الفجر قسم الخُطب المنبرية 0 20-01-2017 09:03 PM
دمعة على التوحيد محب العلم منتـدى الحـوار العـام 3 25-09-2016 06:45 PM
خُطبة جمعة عن .. (الاحتفاء بالكفار) نسمات الفجر قسم الخُطب المنبرية 0 29-05-2016 07:11 AM
خُطبة جمعة .. يا صاحب الهمّ نسمات الفجر قسم الخُطب المنبرية 0 10-12-2015 02:42 AM
خُطبة جمعة عن (التحذير من التدخين) نسمات الفجر قسم الخُطب المنبرية 0 04-11-2014 08:28 PM

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


الساعة الآن 01:38 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2019, by Sherif Youssef

يُشْترَطُ فِي حَالِ نَقْلِ الفَتَاوَى مِنْ مُنْتَدَياتِ الإرْشَادِ ذِكْرُ اِسْمِ فَضَيلةِ الشَيْخِ عَبْدِ الرَحمنِ السُحَيْمِ أَوْ ذِكْرُ اسْمِ المُنْتَدى