نسمات الفجر
الصورة الرمزية نسمات الفجر

الهيئـة الإداريـة


رقم العضوية : 19
الإنتساب : Feb 2010
الدولة : السعودية
المشاركات : 3,354
بمعدل : 0.78 يوميا

نسمات الفجر غير متواجد حالياً عرض البوم صور نسمات الفجر


  مشاركة رقم : 1  
المنتدى : قسم الخُطب المنبرية
افتراضي خُطبة جمعة .. يا صاحب الهمّ
قديم بتاريخ : 10-12-2015 الساعة : 02:42 AM

الْحمدُ للهِ فَارِجِ الْهَمِّ، كَاشِفِ الْغَمِّ، مُجِيبِ دَعْوَةِ الْمُضْطَرِّ .
أشهدُ ألاّ إلهَ إلا اللهَ ، وأنَّ محمدا رسولُ اللهِ صَلَى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ .

يا صاحبَ الهمِّ إنَّ الهمَّ مُنْفَرِجٌ = أبْشِرْ بَخيرٍ فإنَّ الفارِجَ اللهُ
اليأسُ يَقْطَعُ أحيانا بِصاحِبِه = لا تيأسَنَّ فإنَّ الكافيَ اللهُ
اللهُ يُحدِثُ بَعدَ العُسْرِ مَيسرةً = لا تجزعنَّ فإنَّ الصَّانِعَ اللهُ
وإن بُلِيتَ فَثِقْ باللهِ وارضَ به = إنَّ الذي يَكْشِفُ البَلوى هُوَ اللهُ
واللهِ ما لَك غيرُ اللهِ مِنْ أحَدٍ = فَحَسْبُك اللهُ .. في كلٍّ لكَ اللهُ

وأصدقُ منه وأبْلَغُ قولُهُ عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ : واعْلَمْ أنَّ في الصَّبرِ على ما تَكْرَهُ خيرا كثيرا ، وأنَّ النصرَ معَ الصبرِ ، وأنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ ، وأنَّ مَعَ العُسْرِ يُسرا . رَوَاهُ الإمامُ أحمدُ .

يا صَاحبَ الهمِّ ..
لا تَغْفَلْ عَنِ القرآنِ
واعلمْ أنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ ، وأنَّ مَعَ العُسرِ يُسْرا

يا صاحبَ الهمِّ ..
لا تُغفِلْ مصدرَ الفَرَجِ وأصلَ السعادةِ
قَالَ رسولُ اللهِ صَلَى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ : ما أصَابَ أحَدًا قَطْ هَمٌّ ولا حُزْنٌ ، فقَالَ : اللهُمَّ إني عَبدُكَ ابنُ عَبدِكَ ابنُ أمَتِكَ ، ناصيتي بِيَدِكَ ، ماضٍ فيَّ حُكْمُكَ ، عَدْلٌ فيَّ قَضاؤكَ ، أسألُكَ بِكِلِّ اسمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيتَ بِهِ نَفْسَكَ ، أو عَلَّمْتَهُ أحدًا مِنْ خَلْقِكَ ، أو أنْزَلْتَهُ في كتابِكَ ، أو استأثرتَ بِهِ في عِلْمِ الغيبِ عِندَكَ ؛ أنْ تَجعلَ القرآنَ ربيعَ قَلبي ، ونورَ صَدْرِي ، وجلاءَ حُزْنِي ، وذهابَ هَمَّي ؛ إلا أذهبَ اللهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ ، وأبْدَلَهُ مكانَهُ فرجا . فَقيلَ : يا رسولَ اللهِ ألا نَتعلَّمُها ؟ فقَالَ : بَلى ، يَنبغي لِمَنْ سَمِعَها أنْ يَتعلَّمَها . رَوَاهُ الإمامُ أحمدُ .
ولا تُغْفِلْ " حَسْبِىَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَبْعا إذا أصبحتَ وسَبْعا إذا أمْسَيتَ
قَالَ أَبو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : مَنْ قَالَها إِذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى سَبْعَ مَرَّاتٍ كَفَاهُ اللَّهُ مَا أَهَمَّهُ . رَوَاهُ أبو داود موقوفا ، وإسنادُهُ حَسَن .

يا صاحبَ الهمِّ ..
لا تَجزعنَّ لمكروهٍ تُصَابُ بِهِ = فقد يُؤدِّيكَ نَحوَ الصِّحةِ الْمَرَضُ

يا صاحبَ الهمِّ ..
اعلمْ أنَّ الْهَمَّ أجرٌ وخيرٌ
ففي الحديثِ : ما يُصيبُ المؤمنَ مِنْ وَصَبٍ ولا نَصَبٍ ولا سَقَمٍ ولا حَزَنٍ ، حتى الْهَمَّ يُهَمَّهُ إلاَّ كُفِّرَ به مِن سيئاتِهِ . رَوَاهُ البخاريُّ ومسلمٌ .

يا صاحبَ الْهَمِّ..
الْهَمُّ رِفعةٌ في درجاتِكَ
رَوَى الإمامُ أحمدُ مِنْ طَريقِ مُحمدِ بنِ خالدٍ عنْ أبيهِ عَنْ جدِّهِ - وَكَانَ لِجَدِّهِ صُحْبَةٌ - أنَّهُ خَرَجَ زائرا لِرَجُلٍ مِنْ إخوانِهِ ، فَبَلَغَهُ شِكَاتُهُ . قَالَ : فَدَخَلَ عَليهِ، فقَالَ : أتيتُكَ زائرا عائدًا ومُبشِّرا . قَالَ : كَيفَ جَمعتَ هذا كلَّـهُ؟ قَالَ : خَرَجْتُ وأنا أريدُ زيارتَكَ فبلغتني شَكَاتُكَ ، فكانتْ عِيادةً ، وأبَشِّرُكَ بشيءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رسولِ اللهِ صَلَى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : إذا سَبَقَتْ للعبدِ مِنَ اللهِ مَنْزِلَةٌ لم يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ ابتلاهُ اللهُ في جَسدِهِ أو في مالِهِ أو في ولدِهِ ، ثم صَبَّرَه حتى يُبَلِّغَه المنْزلةَ التي سَبَقَتْ لَهُ مِنْهُ .

يا صاحبَ الْهَمِّ ..
ألا تَرَى أنَّ الهمَّ والْحُزنَ والكَرْبَ مِحَنٌ في طيِّها مِنَحٌ؟

يا صاحبَ الْهَمِّ ..
ربُّ العِزَّةِ سبحانَهُ أخبرَ عَنْ نفسِهِ بأنَّهُ (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)
قَالَ عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ : مِن شأنِهِ أن يَغْفِرَ ذَنْبا ، ويُفَرِّجَ كَرْبا ، ويَرْفَعَ قوما ويخفِضَ آخرين . رَوَاهُ ابنُ ماجَهُ ، وحسَّنَهُ الألبانيُّ .
قَالَ عبيدُ بنُ عُميرٍ : مِن شَأنِهِ أنْ يُجيبَ داعيا ، أو يُعْطِي سائلا ، أو يَفُكَّ عَانيا ، أو يَشْفِيَ سقيما .
وقَالَ مُجاهِدٌ : كلُّ يومٍ هُوَ يُجِيبُ داعيا ، ويَكْشِفُ كَرْبًا ، ويُجِيبُ مُضْطَرا ، ويَغْفِرُ ذنبا .
وقَالَ قتادةٌ : هُوَ مُنْتَهَى حاجاتِ الصالحينَ وصريخِهِم، ومُنتهى شكواهُم .

يا صاحبَ الهمِّ ..
إنَّ مِنْ لُطْفِ اللهِ وفضلِهِ وعظيمِ مِنَّتِهِ أنَّهُ لا شِدّةً إلاَّ ويَعقبُهَا فَرَجٌ ، وما مِنْ كَرْبٍ إلاَّ وَمَعَهُ التنفيسُ
وقد يَبْتَلِي اللهُ عِبادَه ليَظْهَرَ مِنهُم صِدقُ العبوديةِ ، وَلْيجأَروا إلى اللهِ بِالدعاءِ .
ومِنْ جُودِهِ وكَرَمِهِ سُبحانَهُ وتعالى أنْ هيأَ لِعبادِهِ أسبابَ النجاةِ
وأنْ دلَّهُمْ على طُرُقِ الخيراتِ
وجَعَلَ له نَفَحَاتٍ ، وأمَرَهُم أنْ يتعرَّضوا لِتلْكَ النفحاتِ
ففي الحديثِ : افعلوا الخيرَ دَهرَكُم ، وتَعَرَّضُوا لنفحاتِ رحمةِ اللهِ ، فإنَّ للهِ نفحاتٍ مِنْ رَحمتِهِ يُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ، وَسَلُوا اللهَ أنْ يَستُرَ عوراتِكُم ، وأنْ يُؤمِّنَ روعاتِكُم . رَوَاهُ الطبرانيُّ في الكبيرِ والبيهقيِّ في شُعبِ الإيمانِ .

يا صاحبَ الهمِّ ..
إنَّ اللهَ سبحانَهُ وتعالى يُخاطِبُ عبادَهُ كلَّ ليلةٍ، فَيَقولُ:
هلْ مِنْ سائلٍ يُعطى ؟ هلْ مِنْ داعٍ يُستجابُ لَهُ ؟ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ يُغْفَرُ لَهُ ؟ حَتى يَنْفجِرَ الصبحُ . كما في الصحيحينِ .

يا صاحبَ الهمِّ ..
عليكَ بِسَاعاتِ السَّحرِ
رَوَى محارِبُ بنُ دِثارٍ عَنْ عَمِّهِ أنَّهُ كَانَ يأتي المسجدَ في السَّحَرِ ، ويَمُرُّ بِدَارِ ابنِ مسعودٍ ، فَسَمِعَهُ يقولُ : اللهمَّ إنَّكَ أمرتَني فأطَعْتُ ، ودعوتَني فأجَبْتُ ، وهذا سَحَرٌ فاغْفِرْ لي . فَسُئِلَ ابنُ مسعودٍ عَنْ ذلِكَ ، فقَالَ : إنَّ يعقوبَ عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أخَّرَ الدعاءَ لِبَنِيهِ إلى السَّحَرِ ، فقَالَ : (سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ) .

يا صاحبَ الهمِّ ..
إنْ كانَ همُّكَ بِسببِ عدوٍّ أو خَصْمٍ ، فلا تَغفلْ عنْ : (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) .
و إنْ كانَ همُّكَ بِسببِ ضِيقِ ذاتِ اليدِ ، فلا تغفلْ عنْ: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا) .
و إنْ كانَ همُّكَ بِسببِ المرضِ ، فلا تَغْفلْ عَنْ : (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ) .
قَالَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ : " ثَلاثُ آيَاتٍ فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ اكْتَفَيْتُ بِهِنَّ، عَنْ جَمِيعِ الْخَلائِقِ : أَوَّلُهُنَّ : {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ}، وَالآيَةُ الثَّانِيَةُ: {مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسَلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، وَالثَّالِثُ: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا} .
أقول قولي هذا ..

الثانية :
الحمدُ للهِ وَحْدَه لَهُ الفضلُ وله الْمِنَّـةُ .
والصلاةُ والسَّلامُ على هَادِي الأُمَّةِ وَكَاشِفِ الْغُمَّةِ .

يا صاحبَ الهمِّ ..
مِن أعظَمِ ما يَجْلو الْهَمَّ كثرةُ الصلاةِ على النبيِّ صَلَى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رضيَ اللّهُ عنه : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ ، اذْكُرُوا اللَّهَ ، جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ، جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ ، جَاءَ المَوْتُ بِمَا فِيهِ . قَالَ أُبَيٌّ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلاتِي؟ فَقَالَ: مَا شِئْتَ . قَالَ: قُلْتُ: الرُّبُعَ، قَالَ: مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ: النِّصْفَ، قَالَ: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قَالَ: قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ، قَالَ: مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ ، قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلاتِي كُلَّهَا. قَالَ: إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ . رَوَاهُ الترمذيُّ ، وقَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وحسّنه الألباني .
وسُئلَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ عَنْ تفسيرِ هذا الحديثِ فقَالَ : كَانَ لأُبَيِّ بنِ كَعبٍ دعاءٌ يدعو به لنَفَسِهِ , فسألَ النبيَّ صَلَى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ : هلْ يجعلُ لَهُ مِنهُ رُبْعَهُ صلاةً عليه صَلَى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ؟ فقَالَ : إنْ زِدْتَ فهو خيرٌ لَكَ . فقَالَ لَهُ : النِّصفُ ؟ فقَالَ : إنْ زِدْتَ فهو خيرٌ لَكَ. إلى أنْ قَالَ : أجْعَلُ لكَ صلاتي كُلَّها , أيْ : أجْعَلُ دعائي كُلَّهُ صلاةً عليك . قَالَ : " إذًا تُكْفَى هَمَّكَ ، ويُغْفرُ لك ذنبُكَ" ؛ لأنَّ مَنْ صَلَّى على النبيِّ صَلَى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ صلاةً صلَّى اللهُ عَليهِ بِها عَشْرًا , ومَنْ صَلَّى اللهُ عليه كَفَاه هَمَّهُ ، وغَفَرَ له ذَنْبَه . اهـ .
وقَالَ المباركفوريُّ : أيْ : أصْرِفُ بِصَلاتي عليكَ جميعَ الزمنِ الذي كنتُ أدعو فيه لنَفْسِي .
وقَالَ : والْهَمُّ ما يقصِدُهُ الإنسانُ مِن أمرِ الدنيا والآخِرَةِ ، يعني إذا صَرَفْتَ جميعَ أزمانِ دعائك في الصلاةِ عليَّ أُعْطِيتَ مَرَامَ الدنيا والآخرةِ . اهـ .

يا صاحبَ الهمِّ ..
ليَكُنْ لكَ نَصَيبٌ مِنَ الصَّدَقةِ .
قَالَ ابنُ القيِّمِ : وكان هَدْيُهُ صَلَى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ يدعو إلى الإحسانِ والصَّدقةِ والمعروفِ ، ولذلِكَ كانَ صَلَى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ أشرحَ الْخَلْقِ صَدْرا ، وأَطيَبَهُم نَفْسا ، وأنعمَهُم قَلْبا . فإنَّ لِلصدقَةِ وَفِعلِ المعروفِ تأثيرًا عجيبًا في شَرْحِ الصَّدْرِ . اهـ .

وفي المقابِلِ فإن البُخلَ والشُّحَّ مِن أعظمِ أسبابِ الغمِّ
في قال تعالى : ( وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) رؤيَ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ يَطوفُ بالبيتِ ويقولُ: ربِّ قِني شُحَّ نفسي! ربِّ قِني شُحَّ نفْسي! فقيلَ له في ذلِكَ فقَالَ: إذا وُقِيتُ شُحَّ نفسي فقد وُقِيتُ البُخلَ والظُّلْمَ والقطيعةَ ، أو كَمَا قَالَ .

قَالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ : فهذا الشُّحُ الذي هُوَ شِدَّةُ حِرصِ النَّفسِ يوجِبُ البُخْلَ بِمنعِ ما هُو عليهِ، والظلمُ بأخْذِ مالِ الغيرِ، ويوجِبُ قطيعةَ الرَّحمِ، ويوجِبُ الْحَسدَ، وهو كراهةُ ما اخْتُصَّ به الغيرُ، والحسدُ فيه بُخْلٌ وظُلمٌ، فإنَّهُ بُخلٌ بِمَا أُعطيهِ غيرُهُ، وظُلْمُهُ بِطَلبِ زوالِ ذلِكَ عَنهُ . اهـ .

والنجاةُ مِن الغَمِّ مَغْنَمٌ ، فلقدْ امتنَّ اللهُ على نبيهِ موسى عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بالنجاةِ مِنَ الغمِّ (وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ) . قَالَ القرطبيُّ : أيْ : آمَـنَّاكَ مِنَ الْخَوفِ والقَتْلِ والْحَبْسِ . اهـ .

ثم عليكَ تجنُّبُ ما يكون سَبَبًا في الْهمِّ والغمِّ والْحُزنِ

وأسبابُ الْهَمِّ كثيرةٌ ، مِنها :

الأولُ/ المعاصي والذنوبُ ، فإنَّها تَجلُبُ الْهَمَّ ، وتُضَيِّقُ الصدرَ ، وكلّما أعْرَضَ الإنسانُ عنْ دِينِ اللهِ كلما تواردتْ عليه جيوشُ الهمومِ . (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا) .
وعلاجُ ذلِكَ : بالتوبةِ والاستغفارِ والعملِ الصالحِ .
قَالَ تعالى : (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) .

الثاني/ عدمُ الرِّضا بِما قَسَمَهُ اللهُ ، فَيَسْخَطُ الإنسانُ ما قَسَمَهُ اللهُ لَهُ .
وعلاجُ ذلِكَ : بالرِّضا بالْمُقدَّرِ والْمَقْسومِ ، والنظرِ إلى ما عِندَكِ مِنْ نِعَمٍ لا تُعدُّ ولا تُحصى .
وفي الحديثِ : ارْضَ بِما قَسَمَ اللهَ لَكَ تَكُنْ أغْنى الناسِ رَوَاهُ الإمامُ أحمدُ والتِّرمذيُّ . وَحَسَّنَهُ الألبانيُّ .

الثالثُ/ امتلاءُ الصَّدرِ بالغيظِ والغِلِّ ، نتيجةً لِعَدَمِ العفو ، والْحِقْدِ على الناسِ .
وعلاجُ ذلِكَ : بالعفوِ والصَّفحِ .
ولِذا جاءَ النهيُّ عَنْ كُلِّ ما يَخدِشُ صفاءَ الأخوَّةِ ، فَجاءَ النهيُّ عَنْ التَّحسُّسِ والتجسُّسِ وعَنْ سِوءِ الظنِّ.
قَالَ تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) .
وقَالَ عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ : لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يَبِعْ بَعضَكُم على بيعِ بَعْضٍ وكونوا عِبادَ اللهِ إخوانا ، الْمسلمُ أخو المسلمِ لا يَظلِمُهُ ولا يَخْذُلُهُ ولا يَحقِرُهُ ، التقوى ههُنا - ويُشيرُ إلى صَدرِهِ ثلاثَ مرَّاتٍ - بِحَسْبِ امرئٍ مِنَ الشرِّ أنْ يَحقِرَ أخاه الْمُسْلِمِ ،كُلُّ الْمسلِمِ على الْمُسْلِمِ حَرَامٌ : دَمُهُ ومَالُهُ وَعِرضُهُ . رَوَاهُ مسلمٌ .

الرابعُ/ تتبُّعُ عوراتِ الناسِ ، والنَّظرُ إلى ما في أيديهِم، والانشغالُ بِهِم .
وعلاجُ ذلِكَ : بِتَرْكِ الناسِ في غفلاتِهِم ، والغَفْلَةُ عَمَّا عِندهُم .
وفي الحديثِ : دعُوا النَّاسَ فليُصِبْ بَعضَهُم مِنْ بَعْضِ ، فإذا استنصحَ رَجَلٌ أخاه فَليَنْصَحْ لَهُ . رَوَاهُ الإمامُ أحمدُ .
وقَالَ عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ : دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقِ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ . رَوَاهُ مسلمُ .
وكلُّ ما يُورِثُ البغضاءُ والضغائنُ ، فقد نَهَى عنه الإسلامُ .
قَالَ صَلَى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ : لا تباغضوا ، ولا تقاطعوا، ولا تدابروا ، ولا تحاسدوا ، وكونوا عِبادَ اللهِ إخوانا كما أمَرَكُم اللهُ ، ولا يَحِلُّ لِمُسلمٍ أنْ يَهجُرَ أخاه فوقَ ثلاثةِ أيامٍ . رَوَاهُ البخاريُّ ومسلمُ .

يا صاحبَ الهمِّ ..
إنْ كانَ همُّكَ بسببِ ديونِ رَكِبَتْكَ ، فإليكَ هذه الأدعيةُ :
قَالَ رسولُ اللهِ صَلَى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ لِمعاذٍ : ألا أُعَلِّمُكَ دعاءً تدعو به لَوْ كانَ عَليكَ مِثلُ جبلِ أُحُدٍ دَيْنًا لأدَّاه اللهُ عَنْكَ ؟ قُل يا معاذُ : اللهمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تؤتي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ ، وتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَنْ تَشاءُ ، وتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ ، وتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ ، بيدِكَ الْخيرِ إنَّكَ على كلِّ شيءٍ قَديرٍ ، رحْمنَ الدُّنيا والآخِرَةِ ورحيمَهُما ، تُعطيهِما مَنْ تَشاءُ ، وتَمنعُ مِنهما مَنْ تَشاءُ، ارحمني رحمةً تُغنيني بِها عَنْ رحمةِ مَنْ سِوَاك .
قَالَ المنذريُّ : رَوَاهُ الطبرانيُّ في الصغيرِ بإسنادٍ جَيِّدٍ . وحَسَّنَهُ الألبانيُّ .

ورَوَى الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ مُكَاتَبًا جَاءَهُ فَقَالَ : إِنِّي قَدْ عَجَزْتُ عَنْ كِتَابَتِي فَأَعِنِّي . قَالَ : أَلا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَى اللهُ عَليهِ وَسَلَّمَ ، لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ صِيرٍ دَيْنًا أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْكَ ؟ قَالَ : قُلْ : اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلالِكَ عَنْ حَرَامِكَ ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ . وصحَّحَهُ الحاكِمُ ، وقَالَ الألبانيُّ : حَسَنُ الإسنادِ .

قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بن سَابِطٍ : كَانَ نَفَرٌ مُتَوَاخِينَ، قَالَ: فَفَقَدُوا رَجُلا مِنْهُمْ أَيَّامًا ثُمَّ أَتَاهُمْ، فَقَالَوا: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقَالَ: دَيْنٌ كَانَ عَلَيَّ ، فَقَالَ : هَلاَّ دَعَوْتَ هَؤُلاءِ الدَّعَوَاتِ : اللَّهُمَّ مُنَفِّسَ كُلِّ كَرْبٍ ، وَفَارِجَ كُلِّ هَمٍّ ، وَكَاشِفَ كُلِّ غَمٍّ ، وَمُجِيبَ دَعْوَةِ الْمُضْطَرِّينَ ، رَحْمَنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَرَحِيمَهُمَا ، أَنْتَ رَحْمَانِي فَارْحَمْنِي يَا رَحْمَنُ رَحْمَةً تُغْنِينِي بِهَا عَنْ رَحْمَةِ مَنْ سِوَاكَ . رواه ابن أبي شيبة .

إضافة رد

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
خُطبة جمعة عن .. (الاحتفاء بالكفار) نسمات الفجر قسم الخُطب المنبرية 0 29-05-2016 07:11 AM
خُطبة جمعة عن .. (التعرف على الله) نسمات الفجر قسم الخُطب المنبرية 0 13-05-2016 09:51 PM
خُطبة جمعة عن .. (تعظيم السنة) نسمات الفجر قسم الخُطب المنبرية 0 28-11-2015 11:58 PM
خُطبة جمعة عن .. (اتِّباع الهوى) نسمات الفجر قسم الخُطب المنبرية 0 24-12-2014 11:06 PM
خُطبة جمعة عن (التحذير من التدخين) نسمات الفجر قسم الخُطب المنبرية 0 04-11-2014 08:28 PM

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة


الساعة الآن 12:06 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2021, by Sherif Youssef

يُشْترَطُ فِي حَالِ نَقْلِ الفَتَاوَى مِنْ مُنْتَدَياتِ الإرْشَادِ ذِكْرُ اِسْمِ فَضَيلةِ الشَيْخِ عَبْدِ الرَحمنِ السُحَيْمِ أَوْ ذِكْرُ اسْمِ المُنْتَدى